أنت هنا

مستقبل التنقل الذكي

منذ 3 أشهر 4 أسابيع

نشهد في الوقت الحاضر عدة تغيرات جذرية في نظم وخدمات التنقل، حيث تقوم كثير من المدن بسن قوانين تساعد على التحول من نظم التنقل المسببة للإنبعاثات الكروبونية الى نظم تنقل مستدامة وصديقة للبيئة. فعلى سبيل المثال، تتجه أكثر من 14 دولة حول العالم فى المستقبل القريب الى إعتماد المركبات الكهربائية وحظر بيع المركبات التي تعمل بالوقود الأحفوري مثل البنزين وغاز البترول المسال والديزل. على سبيل المثال، أصدرت حكومة النرويج مرسومًا يقضي بأن جميع السيارات الجديدة يجب أن تكون خالية من الانبعاثات بحلول عام 2025. وتخطط فرنسا لحظر مبيعات السيارات التي تعمل بالبنزين والديزل بحلول عام 2040. وتتبنى كندا الكهرباء كوسيلة لإزالة الكربون من قطاع النقل والانتقال إلى نظام منخفض الكربون.

لتحقيق هذا الهدف، وضعت حكومة كندا أهدافًا طموحة للمركبات عديمة الانبعاثات لتصل إلى 10٪ من مبيعات المركبات الخفيفة سنويًا بحلول عام 2025 ، و30٪ بحلول عام 2030 و 100٪ بحلول عام 2040. كما تعتزم جمهورية مصر العربية منع إستخدام المركبات التي تعمل بالوقود الأحفوري إبتداء من 2040. كما يتجه مصنعى السيارات الى السيارات الكهربائية لضمان وسائل تنقل مستدامة صديقة للبيئة ومتوافقة مع القوانين التى سنتها او تشرع فى سنها كثير من دول العالم. فعلى سبيل المثال، تخطط شركة جنرال موتورز، أكبر شركة لصناعة السيارات في الولايات المتحدة، لتكون محايدة للكربون في منتجاتها وعملياتها العالمية بحلول عام 2040 وتلتزم بتحديد أهداف قائمة على العلم - لتحقيق الحياد الكربوني. ومن الجدير بالذكر، أن الحياد الكربوني يعني تحقيق توازن بين انبعاث الكربون وامتصاص الكربون من الغلاف الجوي في مصارف الكربون من أجل تحقيق صافي انبعاثات كربونية صفرية.

كما تتجه كثير من المدن الى إطلاق منصات الكترونية لتحقيق التكامل بين وسائل الموصلات المختلفة للإنتقال من التنقل الغيىرمترابط الى التنقل المتكامل السلسل والتحول من المواصلات ذات الجدول الزمني المحدد إلى التنقل حسب الطلب وحسب الحاجة. على سبيل المثال، تتيح منصة "سهيل" التى أطلقتها حكومة دبى للمتعاملين الوصول الى جميع وسائل التنقل فى دبى عبر نافذة واحدة. كما تتجه كثير من المدن الى التخلى عن منظومات التنقل التقليدية وإستبدالها بوسائل التنقل الدقيق مثل السيارات الكهربائية الصغيرة والدراجات الكهربائية والسكوتر للتنقل الحضري والمواصلات الحديثة مثل المركبات ذاتية القيادة، والتاكسى النهرى والتاكسى الجوى والهايبرلوب.  

في الوقت نفسه فإن مصنعى المركبات وشركات التنقل يتحولوا من إقتصاد التصنيع والتجارة إلى إقتصاد الخدمات أو الإقتصاد الخدمي مثل "التنقل كخدمة" ، ومن نموذج الإيرادات المستندة إلى "عدد المركبات المباعة" إلى نموذج ربحى يعتمد على عدد الأميال التي قطعتها المركبة والخدمات التى يتم تقديمها خلال الرحلة. وينتقل مقدمى خدمات التوصيل وبخاصة خدمات التوصيل فى الميل الأخير (last-mile delivery) من خدمات التوصيل التقليدية البطيئة والجامدة إلى خدمات التوصيل السريعة والمرنة والشفافة. علاوة على ذلك، يتجه مستخدمى الخدمة الى التنقل المشترك من خلال خدمات شركات مثل أوبر وكريم.

يرجع السبب لكل هذه التحولات الجذرية الى وجود رغبة حقيقية فى توفير وسائل تنقل آمنة ومستدامة فى ظل الزيادة المطردة فى التحول السكاني من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية مدفوعًا بالاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للسكان. فوفقًا لآخر تقرير عن آفاق التحضر في العالم الذي نشرته الأمم المتحدة، سيزداد عدد الأشخاص الذين يعيشون في المدن من 3.6 مليار إلى 6.3 مليار بحلول عام 2050. وسيعيش ثلثي سكان العالم فى الحضر والثلث فى الريف وهوعكس التوزيع العالمي لسكان الريف والحضر في منتصف القرن العشرين. نتج عن هذا التغير فى التوزيع السكانى كثير من تحديات التنقل الحضرى والعديد من الآثار السلبية المتعلقة بسلامة الطرق والازدحام والانبعاثات الكربونية مما استدعى الحاجة الى نظم وخدمات تنقل أكثر ذكاءا وإستدامة.

ساعد وجود تكنولوجيات تأسيسية مختلفة وعوامل تمكينية تكنولوجية على التسريع فى الإتجاه نحو نظم وخدمات التنقل الذكى. وقد صاغ المخترع وكاتب الخيال العلمي الإنجليزي الشهير، آرثر كلارك في كتابه "ملامح المستقبل: بحث في حدود الممكن" قوانينه الثلاثة الشهيرة ، التي يعد القانون الثالث الأكثر شهرة والأكثر إستشهادا به على نطاق واسع، حيث يقول "أي تكنولوجيا متقدمة بما فيه الكفاية لا يمكن تمييزها عن السحر".

فى مجال التنقل، تعتبر تكنولوجيا التنقل المتصل (connected mobility) بمثابة السحر الذي يساعد على خلق بيئات جديدة غنية بالبيانات، ويتيح العديد من التطبيقات والخدمات التي من شأنها أن تجعل طرقنا أكثر أمنًا وأقل ازدحامًا وأكثر ملاءمة للبيئة، كما يعتبر التنقل المشترك (shared mobility) السحر الذي بفضله حل الإستخدام التشاركى محل الملكية الفردية موفرا وسيلة تنقل آمنة ومريحة عند الطلب لمستخدم الخدمة وفرصة دخل إضافية لمقدم الخدمة. اما أنظمة التنقل المتكامل السلسل (Seamless Integrated Mobility) فهي السحر الذي يمكن المستخدم من التنقل بطريقة سلسة بين وسائل مواصلات مختلفة عند الطلب. وسوف تصبح تكنولوجيا المركبات ذاتية القيادة (automated mobility) ، السحر الذي من شأنه أن يقلل بشكل كبير من أعداد الإصابات والوفيات حيث تعتبر منظمة الصحة العالمية الخطأ البشري العامل الرئيسى في أكثر من 90٪ من حوادث الطرق المميتة ، ويحسن من إمكانية وصول أولئك الذين لا يستطيعون القيادة حاليا بسبب تقدم العمر أوالإعاقة، ويفتح الأبواب أمام اقتصاد الركاب (passenger economy). فى المستقبل والذى تقدر شركة إنتل حجمه بما يعادل 7 تليون دولار فى 2050. كما ستصبح تكنولوجيا الهايبرلوب السحر الذى سيأخذك من لوس أنجلوس إلى سان فرانسيسكو في 35 دقيقة فقط بدلا من 150 دقيقة في قطار عالى السرعة  او من القاهرة الى اسوان فى 50 دقيقة فقط بدلا من أكثر من 12 ساعة فى القطار.

كما تعتبر تكنولوجبا التكهرب (electrification)، السحر الذي سيمكننا من الوصول إلى الحياد الكربوني وتحقيق التنقل المستدام في المستقبل القريب. يمكن تلخيص مستقبل التنقل فى كونة يركز على مستخدم الخدمة بتوفير وسائل نقل آمنة ومريحة ورخيصة ويستخدم خوارزميات متقدمة لتوفير نظم وخدمات التنقل الذكى مثل خدمات التنقل المشترك، والتنقل كخدمة، والتنقل حسب الطلب، والتنقل المتكامل السلس والمركبات ذاتية القيادة التى سوف تساعد على تقيليل الإصابات والوفيات وإتاحة التنقل لكبار السن وذوى الإحتياجات الخاصة. كما سيتيح التنقل المتصل خدمات مختلفة للسلامة والمعلومات، مثل الملاحة والمعلومات المتعلقة بالمرور، والإنذارات المتعلقة بالسلامة، وتجنب الحوادث، والمساعدة المتقدمة للسائقين، وغيرها. أخيرا وليس آخِرا، سيعتمد مستقبل التنقل على المركبات الكهربائية الصديقة للبيئة فاتحا المجال للوصول الى الحياد الكربونى.

 

وعلى الرغم من التطور السريع الذي حدث مؤخرًا فى هذا المجال، إلا أن التنقل الذكي لا يزال في بداياته، فالانتشار الواسع والقبول الاجتماعي لتكنولوجيات التنقل الذكي مثل القيادة الآلية لا يتوقف على نضج هذه التكنولوجيا فحسب، بل على مدى توافر إطار متطور للحَوْكَمة يحدد معايير السلامة والامور المتعلقة بالمسؤليات القانونية فى حالة حدوث حوادث بالإضافة الى التخطيط السليم للمدن لاستيعاب هذه التكنولوجيات المتطورة، مما يعني أن التنقل الذكي يعتمد على ثلاثة عوامل تكميلية، وهي على وجه التحديد التكنولوجيا، والحَوْكَمة، وتخطيط المدن، وهذه المكونات الثلاثة ليست منفصلة بل تؤثر على بعضها البعض.

 

فهناك حاجة متزايدة إلى استخدام مختلف التكنولوجيات التأسيسية، والعوامل التمكينية التكنولوجية، لتعزيز العلاقة بين العملاء ومقدمي خدمات التنقل، وتحقيق التكامل الميسور والشامل والسلس بين مختلف خدمات التنقل، كما يلزم تطوير البيئة القانونية والتنظيمية المحيطة بالعديد من تكنولوجيات التنقل الذكي بشكل جيد، مع مراعاة آراء وشواغل مختلف أصحاب المصلحة من مقدمى الخدمة والمستخدمين ومخططى المدن وشركات الاتصالات والتأمين، وعلاوة على ذلك، ينبغي النظر في التغيرات التطورية والثورية المطلوبة فى تخطيط المدن لاستيعاب الخدمات الناشئة للتنقل الذكي.

يعطى كتاب "التنقل الذكي: استكشاف التكنولوجيات التأسيسية والتأثيرات الأوسع نطاقًا" نظرة شاملة لأنظمة التنقل الذكي وخدماتها، ويغطي الكيفية التي تعمل بها ثلاثية التنقل الذكي: التكنولوجيا، والحَوْكَمة ، وتخطيط المدن، لخلق تنقل ذكي ومستدام.

يصف الكتاب بعض التقنيات التأسيسية للتنقل الذكى مثل نظم تحديد المواقع، ونظام المعلومات الجغرافية، والاتصالات اللاسلكية  والحوسبة السحابية المتنقلة، وتقنية البلوك تشين، وإنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات. كما يناقش الكتاب التقنيات التمكينية للتنقل الذكى مثل البنية الأساسية الذكية، والتنقل المتصل، والتنقل الآلي، والمركبات الكهربائية. كما يلقي الكتاب الضوء على الابتكارات المُزعزعة والتى أدت الى ظهور كثير من خدامات التنقل الجديدة مثل مركبات التنقل الجديدة (مثل الحافلات ذاتية القيادة، ومركبات النقل الجوى وسيارات الأجرة النهرية، والهايبرلوب والاوربنلوب) وخدمات التنقل حسب الطلب وخدمات التوصيل فى الميل الاخير. ويبرز هذا الكتاب حجم سوق هذه التكنولوجيات، ونموها المحتمل وآثارها الاجتماعية والاقتصادية. كما يناقش الكتاب آثار جائحة كوفيد-19 على سلوكيات المستهلكين وتفضيلاتهم، وما يتوقع حدوثه من اضطرابات قصيرة الأجل وتغيرات هيكلية طويلة الأجل في مختلف جوانب نظم التنقل، ولا سيما في مجال التنقل المشترك، والنقل العام، وخدمات الشحن. صدر الكتاب من خلال دار نشر Apress (Springer Nature) في يونيو 2021 وهو متاح للتحميل مجاناً في صيغة PDF من خلال بنك المعرفة المصري.

ارسل مقالك الآن أرسل ملاحظاتك